في بلدة هادئة شمال إنجلترا تُدعى هِكسهام Hexham، خرجت في عام 1971 قصة لا تزال تلقى حديثاً حتى اليوم كلما ذُكرت “الأشياء الملعونة”: طفلان يعثران في حديقة منزلهما على رأسين صغيرين، ثم تبدأ سلسلة روايات عن تحرّك أشياء، وصقيع مفاجئ، وظهور كائن هجين “نصف إنسان/نصف حيوان”. القصة ليست مجرد “كريبي باستا” حديثة إذ أن لها أساس عن حدث معروف تاريخياً، لكن الجزء المتعلق بـ“اللعنة” ما زال موضع جدل كبير ، التحقيق يضع القصة على الطاولة كما هي: ما الذي نعرفه بثقة ؟ وما الذي ينتمي إلى المنطقة الرمادية بين الإيحاء الشعبي وتهويل الإعلام ؟
البداية: اكتشاف بريء في حديقة منزل
تتفق المصادر الأساسية على أن الشقيقين كولن وليسلي روبسون كانا يحفران في حديقة منزل الأسرة في هكسهام عندما عثرا على رأسين صغيرين (نحو 6 سم تقريباً)، ثم صارت القطعتان تُعرفان لاحقاً باسم روؤس هكسهام Hexham Heads ، لم تكن البلدة غريبة عن الأثريات فهي مجاورة لجدار هادريان وآثار الشمال الإنجليزي ، لذا بدا “العثور على شيء مدفون” أمراً مثيراً لكنه غير مستحيل… إلى أن بدأت القصص التالية.
متى بدأ الكلام عن اللعنة ؟
بعد إدخال الرأسين إلى المنزل، نُسبت إلى عائلة روبسون روايات عن ظواهر الأشباح الضاجة Poltergeist : أشياء تتحرك أو تُرمى (مثل قذف الزجاجات)، وأن الرأسين كانا يُغيّران مواضعهما من تلقاء نفسيهما ، الأكثر إثارة كان ما نُسب إلى الجيران، وهم عائلة دود حيث قيل إن السيدة نيللي دود رأت كائناً نصفه إنسان ونصفه ماعز/كبش يغادر المنزل ليلًا بعد فترة قصيرة من “بدء الظواهر” ، هنا تبدأ القصة في التحول من “قطعة غامضة” إلى “قطعة مشؤومة”. لكن تذكّر: نحن أمام شهادات لا أمام توثيق جنائي أو علمي حاسم.
إنخراط الخبيرة آن روس
انتقلت الرؤوس لاحقاً إلى خبيرة في الآثار السلتية تُدعى آن روس Anne Ross. وبحسب الرواية المتداولة، عاشت روس (ومعها ابنتها) سلسلة مشاهد مخيفة: هيئة مظلمة “نصف ذئب/نصف إنسان” تُرى على الدرج أو تغادر الغرفة، مع شعور ببرودة وفتح أبواب بعنف، ثم توقفت الأمور بعد إبعاد الرأسين عن البيت.
وليس هذا مجرد “نقل شفهي”: هناك توثيق أكاديمي مرتبط بالقصة، من أهمه مقال آن روس عام 1973 بعنوان “Some new thoughts on old heads” في مجلة Archaeologia Aeliana (سلسلة 5)، وهو من الأعمال التي تُذكر عند الحديث عن الرؤوس.
هل القطعتان “أثر قديم” أم “صناعة حديثة” ؟
لو ثبت أن الرؤوس أثرٌ سِلتي أو روماني قديم، لتضاعفت “قابلية تصديق” أسطورة اللعنة لدى العامة. لكن ما حدث هو العكس:
ظهر رجل يُدعى ديزموند كرايجي Desmond Craigie وادّعى أنه صنع الرؤوس عام 1956 لابنته عندما كان يقيم في المنزل نفسه (أو في المكان ذاته قبل روبسون)، وأنه صنع أيضاً رأساً ثالثًا تضرر وتخلص منه ، كما يُذكر أن تحليلًا نُسب إلى البروفسور ديرمان Professor Dearman من جامعة نيوكاسل خلص إلى أن القطع مقولبة صناعياً وليست منحوتة.
هذه النقطة لا “تمحو” روايات الرعب تلقائياً، لكنها تسحب أهم عمود في القصة: فكرة “ أثر وثني قديم أطلق الشر بعد إخراجه من الأرض”.
التلفزيون يصنع “الحادثة الثانية”
لو بقيت قصة محلية، ربما انتهت في أرشيف الصحف. لكن هكسهام حصلت على ما يجعل أي حكاية تعيش: تقرير تلفزيوني.
تقرير برنامج Nationwide عن “رؤوس هكسهام” بُثّ عام 1976، واشتهر لدرجة أن كثيرين اعتقدوا لسنوات أن اللقطات فُقدت، قبل أن يعاد نشرها ضمن أرشيف BBC على يوتيوب.
وبعد عقود، عاد الحديث بقوة عن القصة مع “أسطورة” اختفاء ذلك المقطع ثم ظهوره مجدداً في هالووين 2024 بحسب تغطيات مهتمة بتاريخ رعب السبعينات في بريطانيا.
ونتيحة لذلك لم تعد القصة قصة “رأسين حجريين” فقط، بل قصة ذاكرة جماعية صنعها الإعلام.
رأي المشككين
الموقف المتحفظ (والأقرب للمعايير الصحفية الصارمة) يبني استنتاجه على ثلاث نقاط:
- الاكتشاف نفسه واقعة معروفة: رأسين صغيرين ظهرا في 1971، وانتقلت القطع بين أشخاص وجهات.
- اللعنة روايات بلا إثبات علمي حاسم: شهادات متفرقة تضخمت بمرور الزمن، وبعضها وصلنا عبر إعادة سرد متأخرة.
- الأصل المادي محل تشكيك قوي: وجود ادعاء صانعٍ محتمل (Craigie) وتحليلات تشير للتصنيع/القولبة يضعف فرضية “القطعة الأثرية القديمة”.
كما تُذكر رواية “المقلب” المحلي لتفسير مشهد “نصف إنسان/نصف ماعز”: أن الأمر ربما كان خدعة من شخص ثمل يحمل ذبيحة/جثة خروف مسروقة… وهي رواية تُستخدم لتوضيح كيف يمكن لحادثة واحدة مرعبة أن تُبنى عليها أسطورة كاملة.
لماذا يؤمن البعض أنها "أكثر من قصة" ؟
على الجانب الآخر، يرى أنصار التفسير الماورائي أن الملف يستحق التوقف لأن:
- الروايات عن الظواهر لم تصدر من شخص واحد فقط، بل من عدة أطراف (عائلة روبسون والجيران ثم آن روس).
- وجود اسم علمي مثل Anne Ross (ومقال منشور مرتبط بالموضوع) يعطي القصة وزنًا لدى الجمهور، حتى لو لم يكن “دليلًا” على اللعنة.
- تأثير التلفزيون: كثيرون يتذكرون “الصدمة” أكثر من التفاصيل، وهذه بالضبط طريقة ولادة الأساطير الحديثة.
وهنا يبرز احتما النوسيبو (Nocebo): حين يصبح الخوف نفسه مُنتِجاً لتجارب ، أي أن توقع الشر يجعل الناس يرون الشر في كل تفصيل (أصوات بيت قديم، هواء بارد، حركة عشوائية…).
الحقيقة موجودة… واللعنة لا دليل قاطع عليها
نعم، الحادثة موجودة: هناك “رؤوس هكسهام” التي عُثر عليها عام 1971، وهناك مسار معروف لانتقالها واهتمام إعلامي بلغ التلفزيون في السبعينات أما “اللعنة” فهي رواية جذابة، قوية، ومتماسكة درامياً… لكنها غير مثبتة علمياً، وتتغذى على خليط من شهادات بشرية، وضجيج إعلامي، وأجواء بريطانيا التي كانت مولعة آنذاك بحكايات الرعب والغرائب.
وربما هذا هو سر بقاء القصة حيّة: ليست لأنها برهان على عالم خفي… بل لأنها تُظهر كيف يمكن لقطعتين صغيرتين من حجر (أو إسمنت) أن تتحول بلمسة خوف إلى أسطورة لا تموت.
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .